الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

310

نفحات القرآن

رافقوا « طالوت » ( قائد الجند الّذي نُصِّب من قبل الباري تعالى ) في حربهم مع « جالوت » الملك الظالم ، وبعد خوضهم لامتحان صعب تخلّف فريق منهم ولم يبقَ في ساحة القتال إلّا عدد ضئيل ، ثم إنّ هذا العدد الضئيل انقسم بدوره إلى قسمين ، فقسم منهم استحوذَ عليهم الخوف والهلع فقالوا : « قَالُوا لَاطَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ » . ( البقرة / 249 ) وفي قبال هذا القسم ، قسم آخر كانوا يعلمون بأنّهم ملاقو اللَّه حيث قالوا : « قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثيرةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرينَ » . والتعبير ب « يظنون » - على رأي كثير من المفسرين - وَرَدَ هنا بمعنى « اليقين بقيام يوم القيامة » وهو كذلك ؛ لأنّ هذا الحديث صدر عن الذين خاضوا مختلف أنواع الامتحانات ، ثم دخلوا ساحة الجهاد بإيمان راسخ . ولا يخفى أنّ « الظنَّ » بمعنى الاعتقاد الناشئ من الأدلة والشواهد ، وكلّما كانت الأدلة قوية ، فإنّه سوف ينتهي إلى العلم وكلّما ضعفت شواهده فإنّه لا يتجاوز حدّ الوهم . وقال بعض المفسرين أيضاً : إنّ الظن هنا لا يصل حدّ العلم ، لكن « لقاء اللَّه » لم يأتِ هنا بمعنى القيامة ، بل جاء بمعنى الشهادة في سبيل اللَّه ، أي أنّ هذا الحديث كان صادراً عن الذين كانوا يظنّون بأنهم سوف ينالون وسام الشهادة الرفيع . لكنّ هذا المعنى بعيد جدّاً ، وذلك لأنّه لا يتناسب مع « غلبة الفئة القليلة على الفئة الكثيرة » ، بالإضافة إلى أنّ « لقاء اللَّه » الذي ذُكِر في آيات القرآن يدل عادةً على القيامة لا على الموت أو الشهادة . وعلى أيّة حال فمن البديهي أنّ الذين يؤمنون بالقيامة لا يعتبرون الموت نهاية الحياة أبداً ، بل يعتبرونه بداية حياة أرقى فمثل هؤلاء لا يخافون الموت بل يذهبون لاستقباله بكل شجاعة وشهامة .